شيخ محمد قوام الوشنوي
336
حياة النبي ( ص ) وسيرته
فارس وأشعار العرب وكهانة الكاهن وكلام مقاول حمير ، فما يشبه كلام محمد شيئا من كلامهم ، فأطيعوني وخذوا بنصيبكم منه ، فقدموا عام الفتح فأسلموا وهم سبعمائة ، وقيل كانوا ألفا . ثم قال : أجمع العقلاء على انّ كتاب اللّه تعالى معجز لم يقدر أحد على معارضته مع تحدّيهم بذلك ، قال اللّه تعالى وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ فلو لا انّ سماعه حجّة عليه لم يقف أمره على سماعه ولا يكون حجّة إلّا وهو معجزة . وقال تعالى وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ . أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ « 1 » فأخبر انّ الكتاب آية من آياته كاف في الدّلالة قائم مقام معجزات غيره وآيات من سواه من الأنبياء وقد جاءهم به ( ص ) وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء وتحدّاهم على أن يأتوا بمثله وأمهلهم طول السّنين فلم يقدروا ، وكانوا أحرص شيء على إطفاء نوره وإخفاء أمره ، فلو كان في مقدرتهم معارضته لعدلوا إليها قطعا للحجّة ، ولم ينقل عن أحد منهم أنّه حدّث نفسه بشيء من ذلك ولا رامه ، بل عدلوا إلى العناد تارة وإلى الاستهزاء أخرى ، فتارة قالوا : سحر ، وتارة قالوا : شعر ، وتارة قالوا : أساطير الأوّلين كلّ ذلك من التحير والانقطاع ، ثم رضوا بتحكيم السّيف في أعناقهم وسبي ذراريهم وحرمهم واستباحة أموالهم وقد كانوا أنف شيء وأشد حميّة ، فلو علموا انّ الإتيان بمثله في قدرتهم لبادروا إليه لأنّه كان أهون عليهم . ثم قال قال الحافظ : بعث اللّه محمدا ( ص ) أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا وأحكم ما كانت لغة وأشدّ ما كانت عدة ، فدعا أقصاها وأدناها إلى المعارضة ثم نصب لهم الحرب ، فدلّ ذلك على عجز القوم مع كثرة كلامهم واستحالة لغتهم وسهولة ذلك عليهم وكثرة شعرائهم وخطبائهم ، لأنّ سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله وأفسد لأمره وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال . وقد اختلف النّاس في الوجه الذي وقع به إعجاز القرآن على أقوال بيّنتها مبسوطة في
--> ( 1 ) سورة العنكبوت 50 - 51 .